محمد غازي عرابي
942
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
فسواء تقبل الإنسان شريعة الحياة أم لا ، وشريعتها النقائض ، فإن عليه أن يعلم أن اللّه جعل الخير بين الخيطين الأبيض والأسود وأن الحياة في الغاب مؤلفة من الآكل والمأكول والمفترس والأليف ، وأن من أراد أن يعرف اللّه أن يحمل سيفه ويمتطي حصانه ، ويرفع شعار لا إله إلا اللّه ، وينطلق في أرض اللّه الواسعة باحثا عن اللّه . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 53 إلى 54 ] سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 53 ) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ( 54 ) [ فصلت : 53 ، 54 ] لو علم الناس ما في بطن هذه الآية من دلالة لخروا على الفور للّه ساجدين ، ولعكفوا على أنفسهم دارسين متأملين متفكرين وقال عليه السّلام ساعة تفكر خير من سنة عبادة ، وقال فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم . . وكما بينا من قبل فإن الناس اعتادوا أن يجعلوا اللّه في كفة والعالم وهم في كفة أخرى ، وهم عندما يتصرفون يتصرفون على أساس أنهم أحرار ، لهم هذا العالم وما فيه ، فإذا مستهم الضراء ، وإذا أصابتهم مصيبة فروا إلى اللّه مستغيثين ، ويغتاب الناس بعضهم بعضا ناسين أن للّه الفعل والأمر ، وأنه هو الدهر ، وأن حقيقة القضاء والقدر ليست مجرد كلمات مسطرة في كتاب قديم ، وأن اللّه هو القائل وما رميت إذا رميت ولكن اللّه رمى ، وأنه القائل ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ، وهو القائل وإذا مرضت فهو يشفين ، وهو القائل ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، وهو القائل وهو أقرب إليكم من حبل الوريد ، إلى آخر الآيات التي تفيد أن اللّه في الوجود ومع الإنسان ، وأنه باطن هذا الوجود المحسوس ، بل إن الصوفية ليقولون إن الإنسان بفكره هو الباطن ، وإن اللّه هو الظاهر ، وإنه لا أظهر منه ، وإنه ما خفي إلا لشدة ظهوره . والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم القائل : « من عرف نفسه عرف ربه » ، فبين الخيطين الأبيض والأسود ، وهما في النفس ، وهما النفس ، هناك اللّه وهو السميع البصير العليم الحكيم المجيب الدعوات ، والقائم على كل نفس بما كسبت ، وأن له الأمر من قبل ومن بعد . فعليك نفسك أيها الإنسان فهي الجدار ، وتحته كنز عظيم ، وهي العرش الذي استوى اللّه عليه حاكما قاهرا عدلا حرا يفعل ما يشاء لا إله غيره في العالمين ، فمن عرف نفسه عرف ربه ، لأن النفس مرآة اللّه ، ولأن اللّه خلق آدم على صورته